السويداء: الحزن يقتل أسرع من الرصاص
في الحروب، لا يُقتل الناس دومًا بالسلاح؛ فثمة من تُسلب روحه حين يُغرقه الحزن على كرامته. هكذا رحل الشيخ الدرزي الثمانيني مرهج شاهين، بعد أن تعرّض للإهانة والإذلال في السويداء على يد مسلحين تابعين للقوات الحكومية، أقدموا على حلق شاربه بما يحمله من رمزية عميقة للرجولة والشرف في الثقافة العربية
ظهر الشيخ شاهين في مقطع فيديو عاجزًا عن المقاومة، وقد ارتسمت على ملامحه صدمة عميقة وحزن شديد. وما إن انتشر المقطع حتى نقلت شبكة "السويداء 24" عن مقربين منه أنه "توفي حزنًا، بعدما عاش عزلة قاسية في منزله"
ما حدث مع الشيخ شاهين أثار موجة حزن عارمة، أعادت التذكير بأن الحروب لا تكتفي بتجريد الإنسان من أمنه، بل تعرّي إنسانيته، وتكشف إلى أي حدّ قد يصل البشر في إيذاء بعضهم، جسديًا ونفسيًا، متجاوزين كل الخطوط الأخلاقية والحقوقية
فالحادثة لم تكن معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الفيديوهات والصور التي وثّقت اعتداءات متكررة من قِبل مسلحين على خصومهم، تم خلالها انتزاع أحد رموز الشرف لديهم، في محاولة متعمدة لكسر معنوياتهم. وتبرز هذه الانتهاكات بشكل خاص في السويداء، ذات الغالبية الدرزية، والتي يُقدّر عدد سكانها بنحو 150 ألف نسمة، وذلك في أعقاب اشتباكات متواصلة منذ الأحد الماضي، ترافقت مع إعدامات ميدانية
ووفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغت حصيلة الاشتباكات حتى صباح الأربعاء 248 قتيلًا، بينهم 64 مسلحًا درزيًا و28 مدنيًا، من بينهم 21 شخصًا قُتلوا عبر "إعدامات ميدانية برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية". في المقابل، قُتل 138 عنصرًا من وزارتي الدفاع والأمن العام، إلى جانب 18 مسلحًا من العشائر البدوية، إضافة إلى عدد من الضحايا الذين سقطوا جراء غارات جوية إسرائيلية
ورصد تقرير صادر عن وكالة الصحافة الفرنسية حجم الانتهاكات التي طالت مدينة السويداء بعد دخول القوات الحكومية إليها، مستندًا إلى شهادات مباشرة من السكان. وأكد التقرير أن الأهالي تحدثوا عن "عمليات إعدام، ونهب، وحرق للمنازل والمتاجر"
وقال أحد السكان المختبئين في منزله: "في وسط السويداء، تُنفّذ عمليات إعدام، وتُحرق المنازل والمحال، فيما تشهد المدينة حالات سرقة ونهب في كل مكان." كما وثّقت الوكالة وجود جثث ملقاة في الشوارع، في وقت كانت طلقات الرصاص تُسمع بين الحين والآخر في أحياء المدينة، التي باتت أشبه بمدينة أشباح
وتُظهر هذه الشهادات الميدانية، وإن كانت موجزة، لمحة دامغة عن طبيعة الحملة الأمنية، التي تجاوزت حدود الملاحقة العسكرية لتتحول إلى فعل انتقامي ممنهج ضد السكان
وانتشرت مقاطع فيديو وثّقت تصاعد أعمدة الدخان من عدة مبانٍ في المدينة، بينما أفاد سكان محليون بأن إطلاق النار يتم بشكل عشوائي، وأن رجالًا مسلحين يرتدون ملابس مدنية اقتحموا المتاجر، وقاموا بنهبها وإضرام النيران فيها
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، دخلت القوات الحكومية السويداء برفقة مقاتلين غير واضحي الانتماء، ارتكبوا انتهاكات متفرقة، وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان وشهادات شهود عيان. وكانت القوات قد أعلنت أن تدخلها جاء لفضّ اشتباكات بين فصائل درزية وقبائل بدوية محلية، غير أن مراقبين أكدوا أن القوات قاتلت إلى جانب البدو ضد الفصائل الدرزية
تدمير الرموز الدينية : بين الانتهاك والتنكيل
في انتهاك صارخ لحرية المعتقد وكرامة الرموز الدينية، طال العنف الممنهج عددًا من الرموز الدينية والثقافية في السويداء. فقد أبلغ شهود عيان عن تدمير عدة تماثيل في ساحات المدينة، في مشهد يعكس نظرة بعض المتشددين الإسلاميين لهذه الرموز باعتبارها "محرّمات". كما انتشر مقطع فيديو قصير على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر مسلحًا يركل عمامة شيخ درزي ويسخر منها، في مشهد مهين مستفز
الكاتبة اللبنانية المتخصصة في الأدب والتاريخ، رولا عبد الله، أعربت عن أسفها العميق لانهيار منظومة القيم، مؤكدة أن ما يحدث "ليس مجرد خلاف عابر، بل حرب تُداس فيها الكرامات، وتُهان المقدسات، وتُنسف الأخلاق". وأضافت أن الاعتداء على المشايخ، الذين يمثلون سلطة الضمير والدين، "هو اعتداء على آخر من بقي متمسكًا بالعزوف عن ملذات الحياة، وبالابتعاد عن المشهد السياسي والمجتمعي التقليدي"، في إشارة إلى الزهد والتقشف الذي يميز رجال الدين الموحدين الدروز. وتابعت: "هذا الاستهداف لا يُقصد به الأفراد فقط، بل هو تمزيق متعمد لأواصر المجتمع، وزرع للفتنة الطائفية، وتحويل للصراع إلى حرب وجودية تُهدد الهوية"
أما عن رمزية الشارب والعمامة في ثقافة الموحدين الدروز، فيوضح الدكتور الشيخ سامي أبي المنى في كتابه "المظاهر الثقافية عند الموحدين الدروز"، أن هذه الرموز تعكس التمسك بالهوية والانتماء، وترمز إلى الرجولة والحكمة والعزم والالتزام بالتقوى والفضيلة. ويضيف أن العقّال من الملتزمين دينيًا يعتمرون العمامة البيضاء فوق رؤوس حليقة، ويعتبرون الشارب سمة مميزة للمؤمن الملتزم، حيث يتم حلق الرأس بدلاً من تقصير الشارب احترامًا للرمز
ويشرح أن رجال الدين الموحدين يحلقون رؤوسهم تواضعًا واقتداءً، بينما يطيل بعض الوجهاء شواربهم بشكل معكوف لأعلى، في حين يُفضّل رجال الدين المتفرغون للعبادة والزهد تركها بشكل بسيط متدلٍّ للأسفل
ولا تقتصر الانتهاكات على الرموز، بل اتسعت لتشمل عشرات حالات الخطف من الجانبين. يقول أحد الضحايا:
"لم أعد أطيق رؤية نفسي بعد الخطف... أحرقوا شاربي، وشعرت أنهم أحرقوا اسمي أيضًا. كأنهم سيطروا على أجسادنا، وعلى صورنا في هواتفنا، بل وعلى هويتنا نفسها
الساحل السوري: الإجرام لا يفرّق بين الطوائف
لا تفصل سوى بضعة أشهر بين أحداث السويداء الأخيرة وما سُمِّي بـ"مجازر الساحل السوري"، التي وقعت هذه المرة بحق أبناء الطائفة العلوية، في مشهد يُجسد كيف أن العنف في سوريا لم يعد يستثني طائفة أو منطقة
فرغم الصورة النمطية التي تربط الساحل السوري بالولاء للنظام، فإن القرى العلوية هناك دفعت ثمناً باهظًا، حيث سقط العديد من شبابها ضحايا لموجة من العنف والانفلات الأمني. فقد وثّقت تقارير حقوقية وقوع مجازر بين 7 و9 مارس/آذار 2025، في أكثر من 40 موقعًا مختلفًا على امتداد الساحل السوري المطل على البحر المتوسط
ووفق التقديرات، قُتل ما لا يقل عن 1479 شخصًا من الطائفة العلوية، إضافة إلى فقدان العشرات. وتشير الروايات إلى أن ما جرى لم يكن مجرد أعمال عنف عشوائية، بل هجمات منظمة اتخذت طابعًا انتقاميًا، رافقها نهب وسلب واسع، استهدفت أقلية لطالما ارتبطت بالسلطة الحاكمة في سوريا
وتتبّعت التحقيقات تسلسل المسؤولية، بدءًا من المنفذين على الأرض، وصولاً إلى شخصيات مقربة من الدوائر العليا للقيادة في ظل "سوريا الجديدة"، ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقة بين السلطة والطوائف التي لطالما شكّلت عمودها الفقري
دعوات لإنقاذ ما تبقى من الإنسانية
ارتفعت أصوات الناشطين على المنابر المختلفة، مطالبة بتحرك عاجل يعيد الاعتبار للعدالة والكرامة الإنسانية، وتنوعت هذه الدعوات بين الأوساط السياسية والاجتماعية
الإعلامي والناشط الحقوقي أسعد زلزلي وجّه نداءً مؤثرًا، داعيًا إلى النظر إلى الإنسان بعين العدل لا بعين المصالح، والاستماع إلى صوت الضمير لا "الصمت الأعور"، على حدّ تعبيره. وذكّر بأن تاريخ المنطقة الحديث حافل بشواهد دامغة على الفظائع التي ارتكبتها الجماعات المتطرفة في حق الأقليات والمجتمعات المستضعفة
وساق زلزلي عددًا من الأمثلة البارزة، من بينها مجزرة سنجار عام 2014، التي قتل فيها تنظيم داعش أكثر من 5,000 إيزيدي، وسبى ما يزيد عن 6,800 امرأة وفتاة، لا تزال العديد منهن في عداد المفقودات. كما أشار إلى مجزرة سجن بادوش قرب الموصل، حيث أُعدم أكثر من 600 شيعي بدم بارد، وحصار حلب بين 2012 و2016، الذي أودى بحياة أكثر من 30,000 مدني نتيجة القصف والتجويع والتطهير الممنهج
كما تطرق إلى ما شهدته كوباني وعفرين من تهجير قسري لعشرات الآلاف من الأكراد، رافقته انتهاكات موثقة شملت القتل والتعذيب ومحاولات للتغيير الديموغرافي، إلى جانب مجزرة الغوطة عام 2013، التي قضى فيها أكثر من 1,400 مدني، معظمهم من الأطفال، اختناقًا بغاز السارين
واختتم بالإشارة إلى هجوم السويداء عام 2018، الذي أسفرعن مقتل أكثر من 250 مدنيًا درزيًا في عملية مباغتة نفذها تنظيم داعش، وسط تقاعس فاضح من قوات النظام في حماية المنطقة
تشهد محافظة السويداء تصعيدًا أمنيًا خطيرًا في ظل تجدّد الاشتباكات، وتفاقم التوتر وانهيار الثقة بين الطائفة الدرزية والنظام السوري الجديد، كما برز بوضوح في البيان المصوّر للشيخ حكمت الهجري، الذي اتهم الحكومة بنقض العهود واستهداف المدنيين بالقصف
ويحذّر مراقبون من أن خصوصية الوضع الدرزي في سوريا والمنطقة تنذر بانزلاق المشهد نحو سيناريوهات أكثر خطورة. فمن جهة، تطرح مسألة حماية الأقليات تحديًا داخليًا حساسًا، ومن جهة أخرى، تبرز ورقة الضغط الإسرائيلية، خاصة بعد تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أكد "التزام إسرائيل بحماية الدروز في سوريا
ويعيد هذا الموقف إلى الأذهان التكتيك القديم المتمثل في محاولة تحويل الجنوب السوري إلى منطقة نزاع دولي تحت ذريعة حماية الأقليات، وهو ما يزيد من احتمالات الانفجار الداخلي والإقليمي، لا سيما في ظل التحركات والاعتصامات التي بدأ ينظمها أبناء الطائفة الدرزية في دول مجاورة، مثل لبنان، احتجاجًا على ما يحدث في السويداء
وكان الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط قد حذّر في وقت سابق مما أسماه "الفخ الإسرائيلي"، داعيًا إلى حل سياسي شامل يضمن وحدة الدولة السورية ويحفظ حقوق جميع مكوناتها دون تدخل خارجي
ويمكن فهم خصوصية الوضع الدرزي حسب الإعلامي والصحافي محمد محسن، بالأرقام حيث يقدر "عدد الدروز في بلاد الشام عموماً بحوالي 1.343.000 درزي موزعين كالتالي
• 143,000 درزي في فلسطين موزعين بين المنطقة الشمالية وحيفا وهضبة الجولان
• 800,000 في سوريا غالبيتهم في السويداء
• 400,000 في لبنان غالبيتهم شرق وجنوب بيروت
وترتبط حساسية الوضع بالعلاقة التي تجمع دروز فلسطين والجولان أيضا باسرائيل. ووفقا لمحسن، "يمتلك غالبية الدروز في فلسطين والجولان الجنسية "الإسرائيلية" ومن امتنع منهم عن التجنيس يمتلك إقامة دائمة من السلطات هناك. كما ينخرط كل شاب درزي يمتلك الجنسية في الجيش الإسرائيلي بصورة إلزامية وهم يجيدون العربية والعبرية معا. بالإضافة إلى ذلك، تربط دروز سوريا علاقات متوازنة مع النظام السوري السابق واحدثت تطورات ما بعد 2011 شرخا في تلك العلاقة
ويلحظ مراقبون خطر التناقض على مستوى المواطنة حيث يفقد سوريون حياتهم في المحصلة، على يد أشخاص من حملة الجنسيات الغريبة عن البلد ويشكلون نسبة كبيرة ضمن عديد جنود النظام الجديد. وهذا ما لفت إليه تقرير لوكالة رويترز عن "انضمام نحو 3500 مقاتل أجنبي معظمهم من الإيغور القادمين من الصين والدول المجاورة إلى الفرقة 84 في الجيش السوري". ويُقدر عدد المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا مع "هيئة تحرير الشام" وفقا لـ"بي بي سي" بالآلاف، "وإلى جانب الحزب الإسلامي التركستاني، هناك كتائب أخرى من الشيشان والقوقازيين والأوزبك والطاجيك والتركمان بالإضافة إلى العرب وغيرهم